التحالف النكبة والكارثة

أعجب؛ كما يعجب غيري من المطلعين على أداء التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن؛ من الحديث الماسخ الذي تتشدق به دولتا التحالف السعودية والإمارات عن النجاحات التي حققها التحالف في اليمن، وما قدمتاه الدولتان لليمنيين خلال الفترة الماضية، سواء فيما أسموه ب”عاصفة الحزم” أو ما تبعها من “إعادة الأمل”، فكلتا الحملتين كانتا بمثابة الكارثة الحقيقية التي حلت على اليمن واليمنيين.

لم يكن الحوثيون قبل التحالف بالقوة القادرة على تهديد قرية صغيرة في أقصى اليمن، ولكن مع ظهور التحالف تحول الحوثيون من مجرد مليشيات محجور عليها في جبال مران، وممنوعة من دخول المدن اليمنية إلى جائحة عظمى تهدد اليمن والمنطقة بأسرها.

لقد كان القرار التي أعلنته السعودية في 26 مارس (آذار) 2015 بإنشاء التحالف من أهم عوامل صناعة الكارثة في اليمن، على مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية.

ومنذ انطلاق التحالف سخرت السعودية والإمارات كامل قوتهما العسكرية وآلتهما الإعلامية ونفوذهما السياسي؛ لا كما أعلنوا عنه  استعادة الشرعية من الحوثيين، والقضاء على المد الإيراني في اليمن الذي يمثله الحوثيون، وإنما لتحقيق أهداف خفية كشفتها التصرفات الاستعمارية لدولتي التحالف السعودية والإمارات، والذي ظهر جليا من خلال انعطاف جهود الدولتين في مسيرة حربهما ضد الحوثيين.

ففي المبتدا ساعدت السعودية والإمارات الحوثيين على بسط نفوذهم على كامل الأرض اليمنية، وتشديد قبضتهم على المدن والقرى والقبائل، ليكون ذلك ذريعة لهما لشن حرب هوجاء على اليمن، وفرصة تاريخية لتدخلهما في الشأن اليمني عبر تحالف عربي ظاهره الرحمة وباطنه من قبله العذاب.

ونحت مظلة التحالف العربي الذي قيل إنه إنقاذ لليمنيين من ظلم وجور الحوثيين، انتهكت السيادة اليمنية، وحجزت الشرعية الدستورية في فنادق داخل الرياض، ومنعت من مغادرة غرفها إلا بصحبة سلمان أو ابنه، وسيطرت المليشيات التابعة لدولتي التحالف على كل مفاصل الدولة، وأصبحت المطارات والموانئ والجزر والبحار تحت سيطرة الإمارات، والبنك المركزي ومناطق النفط تحت رحمة السعودية، وقرار إعلان الحرب ووقفها بيد دولتي التحالف، وبات فرز المناطق اليمنية على أساس حزبي وطائفي بيد الإمارات، فهي من تصنف الأحزاب والجماعات والأشخاص، وهي من تؤدب الأبرياء، وتكافئ المجرمين، وتغتال الوطنيين، ولذلك تكون حرب التحالف قد تحولت من كونها حربا لاستعادة الشرعية إلى مصادرة السيادة، ومن حرب على تمدد إيران إلى حرب على تقليص الرقعة اليمنية، ومن القضاء على الحوثيين إلى القضاء على كل وطني غيور على وطنه.

هذه هي حقيقة التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات، وهذه هي الكارثة الحقيقية التي ساقها التحالف لليمنيين، إذ لم يكن هدف التحالف انقاذ اليمن واليمنيين بقدر ما هو تحقيق أطماع ابن زايد وابن سلمان، وإن تغلب الأول على الأخير، وأصبح هو المتصرف الفعلي في سياسة تسيير اليمن والسعودية سلما وحربا، وفقا لمصالحه التي يعرفها الساسة اليمنيون والسعوديون.

وأمام هذه النكبة، فإننا لانبالغ إن قلنا أن اليمنيين بما فيهم الساسة باتوا على يقين أن بلادهم لن ترى النور على المدى القريب مع بقاء التحالف السعودي الإماراتي، فقد أصبح جليا لأبسط يمني وعربي أن التحالف هو نفسه من يسير قدما نحو الدفع بالدولة اليمنية إلى الإنهيار، تارة عبر الحوثيين؛ فيمنحونهم فرصة إحكام القبضة الحديدية على المواطنين الأبرياء، وتارة عبر المليشيات التي يدعمها التحالف؛ فيمكنونهم من إشاعة الفوضى وتخويف الآمنين وزعزعة الأمن والاستقرار، وإضعاف الحكومة  من استعادة هيبة الدولة، وتارة عبر دولتي التحالف نفسها؛ اللتين تسعيان بكل ما أوتيتا من قوة لتحويل اليمن إلى دولة ضعيفة ليسهل عليهما فرض الهيمنة الاستعمارية بسهولة ويسر.

وإذا كان اليمنيون عاجزون عن إيصال ما يكتنفهم من جراحات وآلام جراء جرائم التحالف؛ وإذا كان السياسيون اليمنيون أيضا؛ إما بالترغيب أو الترهيب؛ لم يستطيعوا فضح تلك الجرائم، فإن ثمة قوة خفية قذفت بمعاناة اليمنيين جراء التحالف الغاشم على لسان هادي على سبيل الغلط، في كلمته التي ألقاها في مؤتمر القمة الأخير بتونس، حينما ذكر بداية انطلاق التحالف المشئوم بالعام (1915م).

وهو وإن كان غلطا عاديا إلا أنه يحمل دلالات واضحة لما يكنه كل يمني  تجاه ذلك التحالف الذي طال أمده دون أن يحقق لليمن واليمنيين شيئا، بل إنه أدخل اليمن في مستنقع من الفوضى لن يخرج منه على مدى عقود قادمة. وبذلك يكون التحالف قد شكل نكبة على اليمن، اليمن، وكارثة حقيقية بكل ماتعنيه الكلمة من معان على اليمنيين، وسيمتد أثرها إلى الإقليم والوطن العربي بعامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى