البرلمان بين رغبة هادي ومخاوف من تصعيد الانتقالي

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: يناير 1, 2019

أربع سنوات مضت واليمن يرزح تحت نيران حرب ضروس، أراد لها الحوثي أن تقضي على كل ماله صلة ببناء الدولة من مؤسسات وسلطات ومقومات، وهو ما كان لهم بالفعل، فبوصولهم صنعاء في العام 2014 ضاعت مؤسسات الدولة وسلطاتها التشريعية والقضائية والتنفيذية، واختزلت جميعها في شخص السيد، الذي لايرى اليمن إلا عبارة عن قبيلة محصورة في منطقة معزولة، يمكن حكمها والسيطرة عليها بمليشيات شعث غبر كأولئك الذين قدم بهم صنعاء.

ربما نجح إلى حد ما في تسيير أمور صعدة في فترة من الفترات التي سلمت المحافظة كغنيمة له، فامتص خيراتها، وصادر مواردها، وقضى على مؤسسات الدولة فيها، على الرغم من أن المحافظة كانت طوال تلك الفترة تتلقى تمويلاتها من الدولة كغيرها من المحافظات، هذا النجاح الشكلي حمسه للسيطرة على اليمن كلها، وإدارتها كإدارة صعدة، وهو ما حمله على إلغاء عمل كل المؤسسات والسلطات، بما فيها السلطة التشريعية “البرلمان” وتعليق أعماله، كما علق العمل بالدستور.

انقسم البرلمان؛ بعد استيلاء الحوثيين على صنعاء؛ إلى قسمين: قسم يسيطر عليه “صالح”، وهؤلاء رضوا بأن يكونوا أداة بيد مليشيات الحوثيين  فيما بعد، وقسم آخر خرج من اليمن بمجرد دخول الحوثيين صنعاء، ولكن، إذا كان القسم الأولى ظل على ولائه لصالح ثم انتقل ولاؤه للحوثي بعد مقتله، فإن الآخر ظل؛ رغم خروجه من اليمن؛ منقسما بين هادي ونجل صالح، وإن كانوا يمثلون أغلبية مجلس النواب.

عجز هادي خلال الفترة الماضية عن لم شمل أعضاء مجلس النواب المتواجدين في الخارج، فقد كان لصالح قبل مقتله على يد حليفه الحوثي في ديسمبر من العام 2017 تأثير كبير على كثير من البرلمانيين، في الوقت الذي ظل برلمانيو الداخل؛ رغم قلة عددهم وعدم تمثيلهم النصاب القانوني؛ يجتمعون تحت مظلة الحوثي، وينفذون له رغباته، ولم يع برلمانيو المؤتمر أن  تمسكهم بمعادات هادي حتى الآن يعني وقوفهم ضمنا مع الحوثيين، وأنه لافرق بينهم وبين أولئك الذين لازالوا في صنعاء يشرعنون للحوثي سيطرته على اليمن بكل مؤسساتها.

وحتى نكون منصفين، فلم يكن البرلمانيون المؤتمريون وحدهم العقبة التي حالت دون التئام البرلمان وعقد جلساته، فثمة عقبات من نوع ثقيل، والثقيل جدا حالت دون ذلك، فالمجلس الانتقالي الجنوبي ومن ورائه القوات الإماراتية هم أيضا من عرقل ومنع عودة مجلس النواب وعقد جلساته في عدن، وقد صرحت قيادات انتقالية علانية بذلك في الفترة الماضية، وقالت إنها لن تقبل بانعقاد مجلس النواب في عدن أو الجنوب.

 

ولكن كما يبدو أن ثمة تفاهمات بين الرئيس هادي والتحالف وخاصة الإمارات لعودة البرلمانيين وعقد جلساتهم في عدن، وهو ما عكسه هادي في اجتماعه الأخير الذي عقده في  الرياض بحضور أعضاء من مجلسي النواب والشورى، والذي  دعا فيه إلى ضرورة انعقاد البرلمان، وكلف فيه الحكومة بالترتيب مع التحالف لتهيئة المناخ لانعقاده، وهو ماحمل وسائل الإعلام بعدها بالإفصاح عن الموعد القريب لانعقاد الجلسة الأولى للبرلمان، والذي قال بعضهم بأنها ستكون في الخامس من يناير القادم.

وفي تقديري لايمكن أن تستقبل عدن أعضاء مجلس النواب أو أن يتم  عقد جلسة للمجلس في أي محافظة من المحافظات الجنوبية مالم يسبقها ترتيبات مع التحالف، وأخذ موافقة الإمارات أولا، أما دون ذلك فلايمكن، خاصة بعد التهديدات الأخيرة التي أطلقها المجلس الانتقالي بالتصعيد وإشعال الحروب، وإعادة الصراع مع الحكومة إلى نقطة الصفر، عقب تفاهمات استوكهولم بين الحكومة والحوثيين، والذي رأى الانتقالي أن تلك التفاهمات تجاهل واضح للمجلس.

بالتأكيد فإن عودة البرلمان للعمل يعد مطلبا لكل اليمنيين، لأنه يمثل الشرعية الحقيقية للدولة، وهو المعني بمراقبة عمل الحكومة وتقييم أدائها، وبقاؤه خارج الوطن دون عمل يعكس صورة سيئة للمجتمع الدولي عن عجز الرئاسة في إدارة الدولة، هذا من جهة،  ومن جهة أخرى يعكس كذلك المقاصد اللا إنسانية التي تريد دول التحالف تمريرها بعيدا عن مجلس النواب.

ومن هذا المنطلق فإن الأمر يتطلب عودة أعضاء مجلس النواب ومعهم رئيس الجمهورية لممارسة عملهم من الداخل، والبدء ببناء الدولة الحديثة التي يطمح لها الجميع، وضحى لأجلها خيرة أبناء اليمن.

ليس هذا وحسب، ففي تقديري بات الوقت أكثر مواتية من ذي قبل لوضع التحالف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يكون داعما حقيقيا لبناء الدولة اليمنية الحديثة وفقا للمسلمات القانونية الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول، وإما أن يظهر مطامعه وأجنداته بصورة علنية على الطاولة، ويترك الخيار للشعب اليمني يقرر مصيره.