الانقلاب والانفصال وجهان لمؤامرة واحدة

سيناريو ما قبل إسقاط النظام الانتقالي الذي تأسس في صنعاء، بتأثير ثورة الحادي عشر من فبراير/ شباط 2011، واتفاق المبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمن ومخرجات الحوار الوطني، يتكرر الآن بشكل متطابق تقريباً.

إذ يلاحظ أن الحملة الممنهجة التي تستهدف التجمع اليمني للإصلاح أو “اخوان اليمن” كما يزعم خصومه المحليون والإقليميون، ما تزال مستمرة وقد تكشفت خلال محاولة التمرد على السلطة الشرعية في مأرب وشبوة وسقطرى، فالجماعات الفوضوية التي هاجمت مؤسسات الدولة في المحافظات الجنوبية وفي مأرب رفعت صور الرئيس وادعت أنها تواجه نفوذ “الإصلاح” و “الإخوان”.

لم يحدث شيئٌ جوهري على الأرض رغم مضي أكثر من أربع سنوات على بداية التدخل العسكري السعودي الإماراتي الذي حمل اسماً مراوغاً ومخادعاً وهو” التحالف العربي”، وادعى انه يدعم الشرعية ويدحر الانقلاب.

خلال الفترة المنصرمة من عمر التدخل العسكري لهذا التحالف، تبين أن ما تقوم به السعودية والإمارات هو مواصلة المحاولات لاستهداف القوى السياسية التي ساندت الربيع اليمني، وظل هذا الهدف هو الخط الثابت والمشترك الذي سارت فيه ولات تزال الرياض وأبوظبي دون توقف.

الأقدار وحدها هي من أحدثت الفارق الراهن في تدخل التحالف، فالمؤامرة التي دبرتها الرياض وأبوظبي انتهت إلى سيطرة إيرانية كاملة على صنعاء ومعها الدولة اليمنية بكامل مقدراتها وخبراتها ونفوذها، الأمر الذي شكل إخفاقاً مخجلاً وعكس مقدار الحماقة التي تتلبس العقل السياسي الحاقد والموتور في هاتين الدولتين ضد الربيع العربي وتطلعاته المشروعة.

في اليمن كما في مصر وسورية وليبيا، جرى تنصيب هدف مثالي يسوغ هذا السلوك العدواني الذي تنتهجه السعودية والامارات، وهو مكافحة الإرهاب، لأن الإرهاب هو صناعة استخبارية، ولأن الهدف ليس هذه الدمى من القتلة والمجرمين التي تتحكم بها الاستخبارات السعودية والإيرانية والإماراتية والأمريكية.

إن ما يهدف إليه المخطط السعودي الاماراتي هو انيل من أحزاب وتنظيمات سياسية فاعلة على الساحة جرى التوافق على تصنيف إحدى أهم هذه التنظيمات وهم الاخوان المسلمون، تنظيم إرهابي تحاول السعودية والامارات ومعهما مصر بكل الطرق الممكنة دفع العواصم الغربية لتصنيفه تنظيماً إرهابياً ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل حتى الآن.

تنسحب الإمارات من اليمن، وهو انسحاب ليس من المؤكد أنه يتحقق بشكل كامل أو أنه يجري وفق ما هو معتاد بمعنى انسحاب للأفراد والضباط والمعدات، ومع ذلك كل ينتهي التدخل العسكري بشكل كامل.

تؤكد الإمارات أنها لا تزال ملتزمة بدعم التحالف، بل وتدعي أنها لا تزال تدعم السلطة الشرعية، ولكن الحقيقة أن الإمارات ليست على وفاق مع السعودية، وأن إعلان الانسحاب كان ضربة مؤلمة للسعودية خصوصاً أنه جاء في وقت تتعرض فيه المنشآت الحيوية في جنوب المملكة لقصف شبه يومي تقريباً.

والثابت أيضاً أن الإمارات أرادت التموضع في الساحة اليمنية بعيداً عن الالتزامات المفترضة تجاه معركة دحر الانقلاب، التي لم تعد أولوية حتى بالنسبة للسعودية نفسها، لذا تكشف الوقائع أن الإمارات بدأت بتوظيف أدواتها العسكرية التي استثمرت فيها طيلة الفترة الماضية في خلق أمر واقع جديد يمكن التعاطي معه من قبل المجتمع الدولي تماماً كما يحدث بالنسبة للحوثيين.

الإمارات بكل وضوح تريد أن ترسخ الانفصال كواقع لا مفر منه، وطريقها إلى ذلك هو تفكيك السلطة الشرعية ومحاصرتها ووضع اليد على المرافق الحيوية والسيطرة الأمنية على المدن الرئيسية والهيمنة العسكرية والأمنية في عموم المحافظات الجنوبية، وتحويل المجلس الانتقالي الجنوبي إلى سلطة بديلة عن الرئاسة والحكومة، والأمر بالنسبة لأبوظبي بات استحقاقاً واجب التنفيذ.

ولكي تستمر في دورها التخريبي هذا دون مساءلة، واصلت ابوظبي ادعاءاتها بأنها لا تزال ملتزمة بمكافحة الإرهاب، وهو المهمة الأكثر شعبية في الغرب والتي يمكن أن تمثل غطاء مناسباً لاستمرار هذا الدور التخريبي الذي يخفي إصرارا مرضياً على تفكيك اليمن ومعاقبته وسلخ أجزاء من جغرافيته حيث تقع عين أبوظبي على أرخبيل سقطرى الرائع الواقع على المحيط الهندي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى