الانفصال.. دول مختلفة وداعم واحد

زيد اللحجي
المجال: مقالات التاريخ: أكتوبر 11, 2017

لهث الدول العظمى نحو السيطرة على ثروات الدول النامية أعطى دفعة قوية للأقاليم ذات الثروة الكبيرة للانفصال والمطالبة بالاستقلال وتحديد المصير، في حين كانت تلك الأقاليم قبل استخراج الثروة تتشبث وبكل قوتها بالوحدة مع الدولة المركزية.

ومن المعروف تاريخيا أن الدول العظمى تعيش على ثروات الدول النامية، إما نهبا بالقوة أو عبر الحماية والوصاية الدولية، وما الحركة الاستعمارية التي شهدها العالم في القرنين الماضيين إلا لإشباع نهم الدول العظمى، ولازالت الهيمنة الاستعمارية جاثمة على الدول المستعمَرة (بفتح الميم) من قبل الدول المستعمِرة(بكسر الميم) حتى اليوم، وإن زال الاستعمار ورحل المستعمرون.

وبين فترة وأخرى تعيد الدول العظمى حساباتها وحسابات ثروات الدول التي تهيمن عليها، فإذا ما وجدت نقصا في ثروة تلك الدول ولو بعد عقود، تبحث لها عن دولة أخرى تنقض على ثروتها، فإذا كانت الثروة تتكدس في إقليم أومقاطعة أومحافظة صغيرة في إطار دولة مركزية، فإنها ستعمل حينئذ على تفكيك تلك الدولة، وتحفيز ذلك الإقليم أو تلك المقاطعة أوالمحافظة على الانفصال، وستقدم لها الدعم العسكري واللوجستي بما يكفل لها السيطرة المستقبلية عليها ونهب ثرواتها.

وهو ما حدث في جنوب السودان، ويحدث اليوم في كردستان، وسينفذ غدا في جنوب اليمن، وكلها تقع تحت ضغط مصالح الدول العظمى التي تتسابق لحجز دول جديدة ذات ثروات كبيرة تفرض عليها الهيمنة، لتتمكن من نهب ثرواتها برضى وقناعة الدولة المستقلة الجديدة.

الولايات المتحدة الأمريكية تتصدر الدول العظمى اللاهثة بعد ثروات الدول النامية، فكلما طالب إقليم في أي دولة بالانفصال تتجه الأنظار نحو الولايات المتحدة الأمريكية، فالأمريكان ربما وصلوا إلى قناعة وفق حساباتهم لاستشراف مستقبل ثروات الشعوب بأن ثروات الخليج باتت على مشارف النضوب، فسعت بشكل حثيث للبحث عن ثروات جديدة في دول تشكلها بنفسها كما شكلت دول ثروتها السابقين.

ففي كردستان العراق ماكان لبرزاني أن يقدم على الاستفتاء للانفصال مالم يكن لديه الضوء الأخضر من الأمريكيين، غير أن ظهور إيران وتركيا الرافضين للانفصال فرض على واشنطن إعادة حساباتها، وإن كان ذلك لايعني رفع يدها بالكلية، فهي حتما ستغير موقفها في المستقبل القريب خاصة بعد إعلان رئيس الوزراء الاسرائيلي تأييده ودعمه الشديد لإقامة دولة كردية، فالمصلحة الأمريكية الإسرائيلية واحدة وهدفهما واحد.

وإذا كانت التدخلات الأمريكية في تمزيق الدول ودعم انفصالها ينطلق من مصلحتها في نهب الثروات، فإن المستغرب والذي لايمكن أن يقبله عاقل هو التحركات السعودية الإماراتية الحثيثة الداعمة لانفصال وتمزيق الدول.

وكثيرا ما رأينا خوض السعودية والإمارات حربا شعواء بالوكالة في بعض الدول وخاصة العربية منها، وإنفاق المليارات الطائلة لتمزيقها وتفكيكها، وليس لها في المصلحة ناقة ولاجمل، غير أن مصلحتها الأولى والأخيرة تكمن في التقرب من الأمريكان والفوز برضاهم، وتنفيذ أجنداتهم التدميرية، وأينما تكمن مصلحة الأمريكيين تجد السعودية والإمارات حاشرين أنوفهم، وحاملين لواء التقسيم.

ففي كردستان برز الدور السعودي الإماراتي مصاحبا للدور الأمريكي الداعم للاستفتاء على الانفصال، على الرغم من الرفض الدولي للاستفتاء، إلا أن الاستخبارات العراقية كشفت ضلوع شخصيات بارزة من الدولتين وراء عملية الاستفتاء، ودعم الانفصال، وهو وإن كان موقفا شخصيا إلا أنه يعكس توجه الدولتين، خاصة إذا كان أولئك الأشخاص مقربين من النظام فيهما، فالإماراتيون والسعوديون لن يتخلوا عن ذلك الدعم سرا أو علانية طالما والمصلحة الأمريكية تستهدفه.

وإذا كانت السعودية والإمارات يدعمون انفصال كردستان من وراء ستار على استحياء، عبر شخصيات مقربة من النظام، فإن الموقف يختلف بالكلية بالنسبة لليمن، فبينما يؤكدون في خطاباتهم الرسمية التزامهم بوحدة الأراضي اليمنية، كما يصنعون في العراق، يقوم النظام الإماراتي جهارا نهارا بدعم الانفصاليين واستضافتهم في أبوظبي، ومدهم بالسلاح والمال والأجهزة العسكرية التي يحققون بها الانفصال.

وإذا كان لكردستان ثروة نفطية هائلة يسيل لها اللعاب الأمريكي، فإن في اليمن موانئ استراتيجية كثيرة، ومنفذ بحري استراتيجي يجعل دماء الأمريكيين تسيل لأجلها لالعابهم، وهذا يعكسه استماتة الإماراتيين للسيطرة على الموانئ والجزر ومضيق باب المندب تمهيدا لوضع الأمريكيين يدهم عليها.

وهنا يمكن الإشارة أن الدعم الإماراتي لانفصال الجنوب اليمني لم يعد متواريا خلف ستار، فما إن نفذ الأكراد استفتاء انفصالهم حتى سمعنا عملاء الإمارات في الجنوب عيدروس الزبيدي وهاني بن بريك يعلنون ذلك بصوت عال من العاصمة أبوظبي، وتناغم ذلك الصوت مع صوت نائب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة السابق خالد بحاح الذي لوح بإقامة مجلس عسكري جنوبي، في إشارة إلى قرب الانقلاب على الشرعية وإعلان الانفصال، وكلهم يتقاضون ثمن مطالباتهم بالانفصال من الإماراتيين.

 وغير مستبعد أن تشهد عدن خلال الاحتفالات بيوم 14 أكتوبر السبت القادم مخاضا عسيرا تقوده أجنحة الإمارات التي وصلت قادمة من أبوظبي وقد استلمت ثمن الفوضى التي ستحدثها، وبحماية من القوات الإماراتية المتواجدة في عدن، ليكون ذلك منطلقا لإعلان الانفصال، وإقامة الدولة الجديدة بمباركة إماراتية سعودية.