الانتقالي.. مسمار التحالف في الشرعية!

محمد اللطيفي

تبدو سيرة المجلس الانتقالي الجنوبي، مثالا واضحا للكيانات المصنوعة ـ قسرا، والتي يراد لها أن تخلق وضعا غير مستقر سياسيا واقتصاديا، ويراد منها أن تخلق فوضى ممنهجة تمرر من خلالها أجندات إقليمية، وهذا ما ينطبق تماما على الانتقالي الذي كان ولا يزال أداة تجزئة سياسية وتشظ اجتماعي.

تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي في أبريل (2017)، بهدف استعادة “دولة الجنوب المستقلة”، وهي الدولة “المتخيلة” في ذهنية القيادات الجنوبية المتطرفة في الحراك الجنوبي المسلح، والتي دافعت بشراسة عن خيار العنف كطريق لاستقلال الجنوب عن الشمال، بل الجنوب عن اليمن؛ كما هي تصريحات بعض قياداته، التي عبرت عن “نزعة انفصالية” متطرفة، ومثّل هذا التطرف الجنوبي مدخلا للتحالف السعودي الاماراتي، لاحتواء النزعة الانفصالية وتوظيفها في إطار “النزعة الاستحواذية الخليجية”.

نجح التحالف السعودي الإماراتي في اختطاف القرار الحراكي المتطرف، وعملت الإمارات؛ التي تولت مهمة تجنيد الحراكيين الانفصاليين في صفها، على تحويل النزعة الانفصالية الى كيان منظم في إطار سمي  بالمجلس الانتقالي، تم دعمه بمليشيات مسلحة في أكثر من محافظة جنوبية، مثل؛ الحزام الأمني والنخب الشبوانية والحضرمية، وهي المليشيات التي تم تدريبها عسكريا ودعمها بأحدث الأسلحة.

استطاع المجلس الانتقالي إسقاط العديد من المناطق الجنوبية، عبر انقلابات مدعومة عسكريا من الإمارات ولوجستيا من السعودية، كما في عدن وسقطرى، بهدف معلن إقامة دولة الجنوب المستقلة، لكن هذا المجلس سرعان ما أعلن عن انخفاض سقف طموحاته السياسية، من “دولة” جنوبية تحتكم بكامل الأرض الجنوبية، إلى “سلطة” تتحكم بالمناطق الجنوبية عبر “الإدارة الذاتية”، التي أعلنها المجلس في (أبريل 2017).

هذا التدهور في سقف الطموحات السياسية للانتقالي، من حلم بدولة تحكم الجنوب، إلى سلطة تدير المناطق الجنوبية، دليل كاف على أن العقلية السياسية التي تقود “النزعة الانفصالية الجنوبية”، ليست فقط لا تمتلك الخيال السياسي لإدارة دولة، بل حتى لا تمتلك القدرة على إدارة كيان سياسي بشكل مستقل، وأثبتت كل الوقائع الميدانية والسياسية أنه لولا الدعم العسكري الإماراتي واللوجستي السعودي، لما بقى هذا المجلس شهرا واحدا في أي منطقة جنوبية.

حتى هذا السقف المنخفض من الطموح السياسي المعروف بـ”الإدارة الذاتية”، والذي قضى على طموح “الدولة الجنوبية”، تم التخلي عنه من قبل القيادات الانتقالية؛ الإماراتية بالأصح، في الـ(29 يوليو 2020)، كنتيجة للضغوطات السعودية التي قايضت إلغاء الإدارة الذاتية كثمن لمشاركة الانتقالي في الحكومة، التي بالمناسبة يعتبرها الانتقالي فاسدة وشمالية ويمنية وغير شرعية، في مشهد سياسي لا علاقة له بالمنطق، وقيادات لا علاقة لها بالسياسة، السياسة التي هي أشبه بسيرك تؤدى فيه تلك القيادات أدوار ثانوية في مسرحية بلا جمهور.

لقد وصلت القيادات الانتقالية إلى قناعة بأن مشروعهم الانفصالي مصيره الفشل، وتمثلت هذه القناعة نتيجة عدة حقائق سياسية مهمة، أولها مرتبطة بالداعم الإقليمي الإماراتي الذي لا يهمه نجاح أو استقلال الجنوب من الشمال، بقد ما يهمه تحقيق حلمه التوسعي في جزر وبحار اليمن، بالإضافة إلى الداعم اللوجستي السعودي الذي يرغب في الاحتفاظ بالانتقالي كجسر عبور، لتحقيق نظريته السياسية المعروفة ببقاء اليمن حديقة خلفية ضعيفة، فضلا عن أن المجتمع الدولي المتحكم بقرار الرياض وأبوظبي، يعتبر الانفصال خطرا على مصالحه المائية والجيوسياسية؛ في الوقت الحالي على الأقل.

لكن العامل المحلي هو أيضا ما رسخ القناعة لدى المجلس الانتقالي، بأن مشروع الدولة الجنوبية المتخيلة، لا محل له في الواقع الجنوبي المعقد، فرغم سقوط عدن وسقطرى بيد مليشيا المجلس الانتقالي، ورغم كل المعارك التي يخوضها في أبين، إلا أنه اكتشف انه لا يمتلك حاضنة شعبية في المناطق الجنوبية، وأنه لا يستطيع احتكار التحدث حتى باسم القضية الجنوبية، خصوصا بعد مظاهرات أبين، وظهور تكتلات جنوبية في أبين وحضرموت ترفض تمثيل الانتقالي لها في مشاورات الرياض، فضلا عن رفض أغلب مناطق الجنوب لما سمي بالإدارة الذاتية.

هذه العوامل مجتمعة أجبرت الانتقالي للتنازل عن طموحاته السياسية من دولة تحكم الجنوب إلى سلطة تدير المناطق الجنوبية ثم  قيادة تدير السلطة المحلية لعدن، ومن كيان يحلم بالتحرر من الشمال؛ أو اليمن، إلى مجلس يشارك في حكومة تمثل اليمن ذاتها، وفي الأخير فان المجلس المتخلي عن طموحاته، قَبِل أن يكون أداة في اللعبة السعودية التي تريد منه أن يكون طرفا معرقلا في الحكومة، مقابل إضفاء الشرعية عليه، عبر المشاركة في الحكومة، التي تتيح له العودة للصفر، لممارسة الحلم من جديد بدولة جنوبية متخيلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى