الإمارات ومحاولة إعادة صياغة التاريخ من جديد

زيد اللحجي |

المجال: مقالات التاريخ: أغسطس 3, 2017

في التاريخ اليمني القديم عندما احتل الأحباش اليمن في عهد الدولة الحميرية، أراد الملك الحميري سيف بن ذي يزن الانتصار لشعبه، وطرد المحتل، فلما عجز عن محاربتهم اتجه صوب كسرى فارس لطلب العون منه، ومده بالجيش والسلاح لمحاربة الأحباش وطردهم، فقبل ذلك، لكن قبوله لم يكن لسواد عيون “ذي يزن” وإنما لأطماع خفية كان الفرس يهدفون لتحقيقها، وهي السيطرة على طرق التجارة العالمية، ومنافسة الروم فيها، وقد جاءت له الفرصة لتحقيق أطماعه، فأرسل مع” ذي يزن” جيشا استطاع به وبمن معه من اليمنيين طرد المحتل الحبشي،  لكنه سرعان ما استولى الفرس على مفاصل الدولة، وأصبحوا هم المسيطرين على القرار، فكان “كالمستجير من الرمضاء بالنار”،  وبدل أن كان المحتل السابق صاحب كتاب، أصبح المحتل الجديد عابدا للنار، ولكم أن تتخيلوا أي جحيم اكتوى به اليمنيون من نيران الفرس، والذي وإن انتهى اسما بالإسلام إلا أن اليمن لازالت مكتوية بنيرانهم حتى زمن الناس هذا.

والحالة تلك هي نفسها اليوم يعيشها اليمنيون بكل سيناريوهاتها، لكن هذه المرة ليس مع الفرس وإنما مع دولة عربية شقيقة، هي دولة الإمارات العربية المتحدة، وبمساعدة حثيثة وتواطؤ منقطع النظير من المملكة العربية السعودية، فبينما طلب الرئيس هادي منهما مساعدته لإخراج الانقلابيين، واستعادة سلطته، لم يتوانوا في تلبية دعوته، فهبوا بطائراتهم التي ملأوا بها سماء اليمن، فحمد الناس لهم أخوتهم وحبهم لليمنيين، وباركوا لهم نجدتهم، لكن هبتهم تلك سرعان ما أسفرت عن مطامع استعمارية خططوا لها مسبقا، وحبكوا سيناريوهاتها بشكل دقيق، فسعوا لتحقيقها، مستغلين ضعف اليمنيين، وقلة حيلتهم، في محاكاة سافرة لفرس الأمس، وأصبحوا المسيطرين على القرار، والمتحكمين في تسيير الأمور، وبات هادي ” كالمستجير من رمضاء الانقلابيين بنار الإمارات”.

وإذا كان فرس الأمس قضوا على الاحتلال الحبشي كاملا، ومن ثم سيطروا على الدولة، فإن فرس اليوم” الإماراتيين” انتقوا من المحافظات ما يتناسب ومخططاتهم، وتركوا بقية المحافظات لقمة سائغة للانقلابيين.

وكالمستعمرين الكبار، بعد أن أحكمت الإمارات قبضتها على المحافظات التي حررتها، وأصبحت حكومة هادي تحت رحمة حاكمها العسكري، أخذت في تنفيذ مخططاتها، وتحقيق أطماعها في السيطرة على باب المندب، الهدف الأساسي من احتلال اليمن، لخوض غمار منافسة الكبار في الاستيلاء على طريق الملاحة الدولية، وفي استعراض يظهر للعالم مدى قوتها، ومقدرتها في لي عنق المجتمع الدولي، والتلاعب بالقرارات الدولية! ألم تصبح من خلال احتلالها لليمن دولة عظمى، تنافس أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا؟!!

استطاعت دولة الإمارات في القرن الحادي والعشرين أن تعيد عجلة التاريخ إلى الوراء، لتأسس لنفسها تاريخا جديدا، ولتثبت للعالم أنها وإن تجاوزها التاريخ الحقيقي، وكانت فيه في خانة العدم، إلا أنها أصبحت من القوة بمكان لأن تبعثر أوراق التاريخ، وتزيف الحقائق، وتعيد صياغة التاريخ من جديد، ليكون لها اليد الطولى في تسيير مجرياته، أوليس المال هو الذي يصيغ التاريخ المزيف دائما؟!

وهاهي اليوم تؤسس تاريخا على طريقة المستعمرين القدامى، وليس على طريقة المستعمرين العربيين الذين ظهروا في القرن التاسع عشر، فقد كان المستعمرون القدامى، ومثلهم الإمارات، يبدأون استعمارهم بمد يد العون لفريستهم، ومن ثم الانقضاض عليها، ولذلك لايتعرضون لمقاومة أوثورة إلا بعد فترة من السنين، أما المستعمرون الغربيون فقد كانوا ينقضون على فرائسهم بقوة، ما جعلهم يصطدمون بمقاومات وثورات كبيرة، وهذا يحسب للدولة الاستعمارية الجديدة الإمارات، بحنكة سياستها، وبراعة استعمارها! ولذلك فإن الشعب اليمني لن ينتفض على المستعمر الإماراتي قريبا، لكنه سيؤجل انتفاضته وثورته ليسجل مزيدا من الجرائم، وليدون الكثير من الانتهاكات، لتكون الثورة كاسحة.

ولأن المستعمر الجديد يعلم أن المعركة الحالية والقادمة هي بالطبع معركة نفوذ، ومعركة السيطرة على الممرات المائية، اتجهوا مسرعين لخوض هذه المعركة، ليس مع إيران التي تحتل جزرها،  ولكن مع اليمن البلد الأضعف اليوم من بين دول المنطقة والعالم، وهل يحقق الضعيف انتصاراته إلا على من هو أضعف منه؟!

طمع الدول العظمى في جني الأموال، وسيل لعابهم على البترول والذهب، شجع الإمارات لأن تظهر كدولة عظمى، ولاظير عندها أن تتخلى عن بترولها وذهبها وأموالها لتأسيس تاريخ مزيف، منطلقة لتحقيقه من اليمن البلد الضعيف.

ولكن التاريخ مهما أدخل فيه من زيف، ومهما حاولت الأموال أن تحرف مساره، أو تبعثر أوراقه، فإنه حتما سيصحوا من جديد، وسيثوب إلى رشده، وسينفض ما أدخل فيه من سموم، وسينقح نفسه، وسيكتب في صفحاته بحيادية تامة، من هنا مرت دويلة غرة صغيرة، كانت تبحث في بلاد اليمن عن أمجاد لها مصطنعة، لكنها قبرت في سهول وجبال اليمن، وجرفتها السيول إلى مزبلة التاريخ.