الأجندة المستهترة للرياض وأبوظبي في اليمن

ياسين التميمي
المجال: مقالات التاريخ: سبتمبر 6, 2019

تبرز على هامش الأزمة والحرب حقيقة مرة بشأن سياسة المملكة العربية السعودية التي استدعت الإمارات إلى حلف عسكري للتدخل في ا ليمن والذي بدا للوهلة الأولى وكأنه جاء انتصاراً للشرعية اليمنية وردعاً للمهددات التي تستهدف الدولة اليمنية.

تدور أحاديثٌ بشأن اتساع رقعة الخلاف بين الرياض وأبوظبي، والحقيقة أن النظام الإماراتي الذي يهيمن عليه أولاد زايد، لا يكن الكثير من الاحترام للنظام السعودي، الذي يعتقد أولاد زايد أنه حصل على الكثير من الأراضي والحقول النفطية الواقعة على الحدود المشتركة بواسطة استغلال نفوذه على الجيل الأول من حكام أبوظبي.

لكن الانسجام الظاهري بينهما على خلفية الحرب في اليمن، ما من تفسير مناسب له سوى أن البلدين دخلا إلى الساحة اليمنية بنوايا لا تقيم أي اعتبار للشعب اليمني، ولسلامة الدولة اليمنية، وتعاملا مع الساحة اليمنية على أنها إحدى الساحات المستباحة وذات الأولوية لتصفية الحسابات مع الربيع العربي وحوامله السياسية.

احتاجت المملكة لسنوات لكي تثبت أنها نجحت في احتواء الظاهرة الإرهابية التي تعتبر السعودية منبعها الأساسي من الناحية العقائدية، واحتاجت أن تصدر هذه الظاهرة إلى الساحة اليمنية مع وجود عدد كبير من السلفييين الذين جرى استزراعهم في معهد دماج بمحافظة صعدة على مدى ثلاثين عاماً وكان اللافت أن معظمهم ينتمي للمحافظات الجنوبية.

نجحت السعودية في تقديم اليمن على أنه الساحة الأخطر لنشاط إرهاب القاعدة بعد أفغانستان، وكانت النتيجة أن اليمنيين باتوا منبوذين على مستوى العالم، وأصبحت بلدهم مستباحة ودمهم كذلك، إلى الحد الذي يفسر كيف أن دولة مثل الإمارات بدأت على الفور في إعادة ترسيم  الحدود الشطرية في محاولة وقحة لإعادة فرض الانفصال في الوقت الذي جاءت فيه أصلاً لدعم الشرعية والحفاظ على وحدة اليمن.

منذ الوهلة الأولى واجهت الإمارات اشكالية إعادة توظيف الحراك الانفصالي الذي ارتبط جذرياً بإيران وبسياساتها في المنطقة، لكنه وجد قاسماً مشتركاً يمكن البناء عليه وهو العداء الشديد الذي يظهره الحراكيون للقوة السياسية المهمة في البلاد التي يمثلها التجمع اليمني للإصلاح الذي يعتبرونه ذراعاً سياسياً للاخوان المسلمين، والكراهية كذلك لثورة الحادي عشر من فبراير 2011 ولحواملها السياسية وهو ما يتطابق تماماً مع الأولويات الإماراتية في اليمن.

وعندما فكرت ابوظبي في إنشاء تشكيلات عسكرية في الجنوب وجدت ضالتها في الجماعات السلفية الجهادية التي أصبحت جاهزة للانخراط في مهمة جديدة ضمن مبدأ خدمة ولي الأمر. وقد اقتضى ذلك أن يأتي استخدام هذه المجاميع ضمن تفاهم مع الرياض التي تتحكم بشكل كامل بمعظم التيارات السلفية المتطرفة.

استأجرت الإمارات من إيران أسوأ الرموز التي عملت على خط الحراك وحرصت على تأكيد البعد المناطقي بحيث تتركز القوة الحراكية بيد قيادات تنتمي إلى الضالع ويافع وكذلك الحال بالنسبة للتشكيلات العسكرية وخصوصاً الحزام الأمني.

أعتقدت الإمارات بعد أن تمكنت من إنشاء جيش موازي بأن لديها الفرصة للعب على الساحة اليمنية في معزل عن الرياض، أو فرض حقائق جديدة يمكن أن تقبل بها الرياض التي تتعرض لضغوط هائلة من جانب الحوثيين، خصوصاً بعد أن تطورت قدراتهم في ضرب العمق السعودي، وسط معلومات جدية بأن الإمارات ربما كانت طرفاً في إيصال مكونات الصواريخ والطائرات المسيرة إلى الحوثيين عبر عمليات تتحكم بها شركات إيرانية تتخذ من دبي مقراً لها.

لذا وتأسيساً على ما مضى يمكن النظر إلى التحول في الموقف السعودي إثر انقلاب العاشر من أغسطس/ آب، بأنه يأتي تعبيراً عن المخاوف السعودية من الخطوات الإماراتية التي تجاوزت حدود الترتيبات المشتركة، حيث سمح هذا التحول بإطلاق العنان لقوات الشرعية للكر على الوضع الجديد الذي فرضته الإمارات في كل من عدن وأبين وانتقل إلى شبوة قبل أن ينتهي بمأساة القصف الجوي على القوات الحكومية في 29 أغسطس/آب عندما قررت أن تتقدم صوب عدن لإنهاء الانقلاب بشكل كامل.

المواقف السعودية اللاحقة لانقلاب عدن ولعملية ضرب الجيش الوطني، جاءت حمالة أوجه فهي لا تتعدى أن تكون جزء من خطة سعودية لتحويل التطورات في عدن إلى خط سياسي يمكن أن يسمح للرياض بإحياء مخطط تقسيم اليمن في الوقت الذي تعمل فيه على تحجيم الدور الإماراتي.

وفي كلا الحالتين يمكن التأكيد أن المملكة كما هي الإمارات يتصرفان في اليمن على قاعدة أن لا شيء في هذا البلد يستحق إبداء المحاذير، فهو بلد مستباح، وحجة الإرهاب يمكن توظيفها في أي وقت لإعطاء الأولوية للبعد الأمني في التعاطي مع الشأن اليمني.

لذا لا خيار أمام السلطة الشرعية وأمام اليمنيين سوى تأكيد أن الترتيبات التي لا تحترم سيادة اليمن ينبغي أن تنتج كلف هائلة على أصحابها. إنها الرسالة الواقعية الوحيدة التي يبنغي أن تصل إلى الرياض تحديداً لعلها تصوب رؤيتها لمآلات الأمور في اليمن.