احتفالات يمنية بنكهة استعمارية

زيد اللحجي
المجال: مقالات التاريخ: نوفمبر 30, 2017

احتفل اليمنيون اليوم في شمال الوطن وجنوبه بمناسبتين عظيمتين: الأولى وطنية احتفى بها انقلابيو الجنوب في عدن بذكرى الاستقلال ورحيل آخر جندي بريطاني عن اليمن، والأخرى دينية بالغ في الاحتفاء بها انقلابيو صنعاء بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف.

وكلاهما المحتفلان بالمناسبتين؛ في صنعاء وفي عدن؛ ليس لهما من تلك الاحتفالات شيئا، بقدر ما يجعلون منهما مناسبة لتضليل الشعب واللعب بمشاعره، والاستخفاف بعقولهم، والضحك على ذقونهم.

فانقلابيو عدن وهم يحتفلون باستقلال الجنوب من الاستعمار البريطاني الذي رحل في ستينيات القرن الماضي يسوقون الوطن والمواطنين لتكبيلهم بمخالب استعمار إماراتي غاشم، أشد وطأة وأخبث أهدافا من الاستعمار القديم.

وإذا كان الاستعمار البريطاني خلف في مدينة عدن تنمية ونهضة ورقيا، كانت فيه عدن ثاني ميناء في العالم، فإن بشائر الاستعمار الإماراتي سيكون دمارا ووبالا على عدن، وسيخلف إذا مارحل بعد زمن معتقلات ودمار للبنية التحتية، وتمزيق وهتك للنسيج الاجتماعي.

ولو أن ثوار أكتوبر كتب لهم النهوض من قبورهم لمعايشة الاستعمار الجديد، ومشاهدة ماآلت إليه تضحياتهم، للعنوا اليوم الذي انطلقت فيه ثورتهم، ولشنوها حربا جارفة تجتث المستعمرين وأذنابهم من انقلابيي عدن.

أما انقلابو صنعاء وهم يحتفلون بذكرى المولد النبوي الشريف فإنهم يتخذون منها سبيلا لترسيخ رؤية قداستهم الشيطانية، وتجذير نسبهم الذي يؤهلهم لأحقية الاستفراد بالسلطة، واستعباد اليمنيين.

إنهم وهم يحتفلون بمولد المصطفي صلوات ربي وتسليماته عليه يتنصلون من هديه، ويبتعدون عن تعاليمه، ويقتفون هدي الشيطان وتعاليمه، وهل الاستبداد والاستعباد، والظلم والقهر، والنهب والسلب، وقتل الأبرياء، وتدمير المدن والمنازل والمساجد، من هدي الرسول الأعظم أم من هدي الشطان اللعين؟

وسبق الاحتفالين مواجهات مسلحة افتعلها الانقلابيون في صنعاء وعدن، وكأن اتفاقا تم بينهما بإشعال فتيل فتن جديدة تمنحهم أحقية قتل اليمنيين واستباحة أرواحهم، اتفاق طبخ في مطبخ واحد، وتتحكم فيه يد واحدة، فثمة رابط يجمع بين الانقلابيين في صنعاء وعدن، تشق الطريق صوب الإجرام واختلاق الفوضى، فالانقلابيون لايعيشون إلا في أوحال الفوضى.

تصدر فتنة عدن قيادات المجلس الانقلابي المدعوم من الإمارات، وتصدر فتنة صنعاء الحوثيون، والجامع بينهما تنفيذ أوامر طهران، ولكن إذا كان الناس يتوقعون فتنة تجرف حليفي الانفصال في صنعاء فمن المستفيد من إشعال فتنة عدن؟

ففي عدن وقف الانقلابيون في وجه الحكومة الشرعية، ورفضوا أن تقيم فعالية الاحتفاء بذكرى الاستقلال، وتعمدوا ومن يحميهم من القوات الإماراتية أن يؤججوا فتنة ويختلقوا مواجهة مع الجيش الوطني، لأنهم يعلمون ومن ورائهم المستعمرون أن احتفالا تقوم به الحكومة بهكذا مناسبة سيؤجج مشاعر الناس للمطالبة باستقلال بلادهم من المستعمر الجديد.

من أجل ذلك سارعوا بالانتشار بالقوات الإماراتية في الشوارع للحيلولة دون إقامة الحكومة لفعاليتها، حتى لاتستولي على المواطنين النخوة العربية والشهامة اليمنية فتقتلع جذور المستعمر الجديد، فالاحتفال بهكذا مناسبة لن تمر دون المطالبة بذلك، إذ لايعقل أن يحتفل شعب بالاستقلال من مستعمر قديم ليرمي بنفسه في أحضان مستعمر جديد.

وهنا يمكن القول إن إجراء رئيس الحكومة بن دغر انتصار للدولة، واستشعار للمسئولية، وتعزيز لثقة الناس بالحكومة، لأن تصرفه نابع من حرصه على المواطنين، وخوفه من سفك الدماء دون وجه حق، أما أولئك الذين أشعلوا الفتنة تلبية لطلبات المستعمر الجديد فلايرقبون في الوطن ولا المواطنين إلا ولاذمة، ولاينفذون إلا مخططات مالكيهم من المستعمرين الجدد.

أما في صنعاء فلاتوجد حكومة حتى يمنعها الانقلابيون من إقامة فعاليتها، ولكن حليفي الانقلاب يتبادلون الاتهامات في محاولة لاقتسام مانهبوه.

 فالحوثيين الذين تسلموا مفاصل الدولة من يد حليفهم المخلوع أرادوا أن يخلعوه مرة ثانية، فمشاركته الاسمية في إدارة الدولة تضايقهم، ولن يقبلوا بها، الأمر الذي حاول فيه المخلوع لفت أنظار حلفائه الإماراتيين بأنه قادر على إلغاء احتفال صنعاء كما ألغى حلفاء الإمارات احتفال عدن، لكنه لم يستطع، فالحوثيون قابضين بتلابيبه، ومقيدين حركاته، فلايستطيع تملما ولا التفاتا إلا بإذن الحوثيين، وأنى لمن باع بخسا أن يسترد بضاعته؟ وأنى لمن أحرق بلدا أن يسترد ما التهمته النيران؟

لقد أصبح المخلوع بضاعة في امتعة الحوثيين، يبيعونها متى شاءوا، ويتلفونها متى شاءوا! وليس صحيحا أن لدى المخلوع مايمكنه من استعادة أمجاده، أو يعينه على تغيير المعادلة! فانقلابيو صنعاء لايقلون خطرا عن انقلابيي عدن، وإذا كان انقلابيو عدن يريدون تغليف الوطن لتسليمه هدية للإماراتيين فإن انقلابيي صنعاء يريدون تغليفه لتسليمه لإيران، وكلاهما يتخذون من الحشود والاحتفالات مناسبة لإظهار قبظتهم، واستعراض سيطرتهم، ليغالوا في بضاعتهم، وليفوزوا بثمن أكبر مقابل تذليل قياد الشعب للمشترين الجدد.