إلا تعز!

زيد اللحجي
المجال: أخبار, مقالات التاريخ: ديسمبر 17, 2018

يوم الخميس الماضي أعلنت الأمم المتحدة عن نجاح مشاورات استوكهولم، وظهر الأمين العام للأمم المتحدة بجوار (جريفيث) وممثلي الوفدين في الاحتفالية الختامية للمشاورات منتشيا ومبتهجا بما توصلوا إليه من نجاحات في هذه الجولة، مع أن النتائج التي تحدثوا عنها لاترتقي لأن تسمى اتفاقا، ولا تساوي الخسائر التي صرفت على الوفود المتشاورة، ناهيك عن الإحباط الكبير الذي عكسته هذه الجولة على نفسيات الشعب اليمني وآمالهم وتطلعاتهم.

وبحسب ما أعلن أثناء اللقاء الختامي، فإن الوفدين توافقوا على قضيتين قالوا أنهما قضيتان إنسانيتان مهمتان، قضية الإفراج عن الأسرى والمعتقلين، وقضية حل ميناء ومدينة الحديدة، لكنهم فشلوا في التوصل لحل لقضية البنك المركزي وتسليم مرتبات الموظفين، وقضية مطار صنعاء، وقضية فك الحصار عن مدينة تعز.

هكذا صرحوا في ختام المشاورات، وإن كانت الحقيقة؛ في تقديري؛ أنهم فشلوا في كل القضايا التي طرحت، لعدم توقيع الطرفين على آلية  تفصيلية ومزمنة يلتزم بها كلا الطرفين، ويحدد فيها الضمانات اللازمة للتنفيذ، والعقوبات الرادعة لمن يخل بهذا الاتفاق، خاصة وأن الحوثيين معروف عنهم النكث بالعهود والاتفاقات وكثرة التنصل منها، وعدم الالتزام بها، وهو ماظهرت بوادره جلية من خلال التصريحات التي أدلى بها رئيس وفد الحوثيين لوسائل الإعلام عقب الإعلان عن الاتفاق، حيث فسر اتفاق الحديدة بأنه انتصار كاسح لجماعته، فإدارة الميناء وإدارة المدينة تكون للسلطة المحلية المعينة من قبلهم، بما في ذلك إجراءات الأمن فيهما، والإيرادات تودع في فرع البنك المركزي التابع لمركزي صنعاء، مع إنسحاب قوات الشرعية، ووقف المواجهات والضربات الجوية،  وأن دور الأمم المتحدة يقتصر على الإشراف في الميناء وتأمين طرق المعونات الإنسانية فقط.

وعلى هذا التفسير الذي قدمه محمد عبد السلام في استوكهولم، رأينا ردود الأفعال من قيادات الحوثيين في صنعاء كيف أيدت وناصرت هذا الاتفاق، وكيف احتفت بوفدهم حينما وصل إلى مطار صنعاء، واللقاءات الإعلامية المفاخرة بما توصلوا إليه، وهو ما جعل المتابعين لما خرج به المشاركون يشككون في ما تم التوصل إليه من اتفاق، خاصة مع الغموض الذي اكتنف المخرجات، وعدم الوضوح في إجراءاتها.

وأي كان وضوح الاتفاق أو غموضه، فهو في كل الحالات غير مرض للشعب اليمني، وهو في الوقت نفسه لايعكس الآمال التي ربطها اليمنيون على الحضور القوي المصاحب لهذه المشاورات، سواء للأمين العام للأمم المتحدة، أو لسفراء الدول الخمس الممثلة في مجلس الأمن، وغيرهم من السفراء الذين واكبوا هذه الجولة من بداية انطلاقها.

ومع أن المشاورات هذه عبارة عن معالجات للجانب الإنساني كخطوات لبناء الثقة لمشاورات قادمة، إلا أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لايرون بأسا في استمرار حرمان الموظفين من مرتباتهم لمايقارب الثلاث سنين، أو أن هذه القضية لاترتقي عندهم لأن تكون مكونا إنسانيا يجب الخوض فيه بقوة، وممارسة الضغوط حولها كما تم بالنسبة لميناء الحديدة.

والأمر هذا ينسحب أيضا على قضية رفع الحصار عن مدينة تعز الذي خنق أكثر من مليوني مواطن، وحرمهم من أبسط الحقوق الإنسانية، ولعل هذه أيضا ليست من الجانب الإنساني في شيء، فالجانب الإنساني كما يبدو هو ما يعود ريعه على الأمم المتحدة ومنظماتها الباسلة التي تقتات على أشلاء أبناء اليمن.

ولكن، مهما تجاهلت الأمم المتحدة وتواطأت مع الحوثيين حول تعز؛ ستبقى تعز القضية الكبرى، والملف الأعقد من بين ملفات كل المشاورات السابقة والمستقبلية، ليس لأنها مستعصية عن الحل، ولكن لأنها تعز!

ولو رجعنا إلى بداية الانقلاب، لعرفنا لماذا لم يقبل؛ ولن يقبل؛ الحوثيون بحل قضية تعز، فهي المحافظة الوحيدة من بين محافظات الجمهورية التي وقفت في وجه المد الطائفي، وداست على كبرياء السلاليين، وفضحت مخططاتهم، وهتكت أستار المتآمرين والمتأبطين شرا باليمن واليمنيين.

كان الانقلابيون ينظرون إليها بأنها محافظة (المبنطلين)، وأن بمقدور رجل واحد من مليشياتهم  سوق أبناء تعز بعصا وليس بسلاح ناري، وأنها مدينة المنبطحين، التي لايجرؤ أبناؤها أن يردوا عن أنفسهم ضيما أو يمنعوا عن أهلهم ظلما، وأنها المحافظة الضعيفة من بين محافظات الجمهورية  التي يسهل قيادها وإعادة تشكيلها وفقا لهمجية الغزاة، حتى وإن كان أولئك الغزاة مليشيات جاهلة غوغائية، قادمة من سوءة التاريخ.

ولذلك سمعنا بعضهم حينها يقول: إن تعز لن تكون مستثناة من ثورة 21 سبتمبر، وأنهم سيدخلون المدينة بالقوة، وهو ما حمل الانقلابيين (الحوثيين وصالح) حينها على الهجوم على تعز بقوات نظامية مدربة كالأمن المركزي والحرس الجمهوري والقوات الخاصة، وميليشيات قبلية مستميتة، كمليشيات القبائل والحوثيين.

وهنا كانت المفاجأة، فحينما وصلت طلائعهم تعز، خرج لهم (المبنطلون) ليعلمونهم كيف تحمى الأوطان، وتواثب حولهم (المنبطحون) ليعرفونهم معنى التضحية في سبيل الحرية والعزة والكرامة.

وحتى حينما حاولت تلك القوات التخفي في زي مدني للوصول إلى معسكر الأمن المركزي كان لهم أبناء تعز بالمرصاد، وداس أبطال تعز على ذلك الفكر المتخلف، ودحروا تلك الخزعبلات الشيطانية التي داس بها الحوثيون كرامة أبناء اليمن، إلا تعز!

ولذلك ستبقى تعز حشرجة في حناجر الطغاة، وخنجرا في خاصرتهم، وسما زعافا يمزق قلوبهم وأجسادهم، وسيبق أبناء تعز شامخة جباههم شموخ جبل صبر، لايثنيهم تخاذل التحالف والشرعية، ولا تواطؤ الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، ولن ينخر عزائمهم تعنت الحوثيين وحصارهم، ولابد أن ينجلي الليل عن صبح وضاء، ليس على تعز وحدها، وإنما على اليمن بأسره .