أن تكون صحفيا في اليمن..!

محمد اللطيفي

“أنت صحفي”.. هذه العبارة لم يعد لها وقع ذلك الصدى، الذي يجعل لها قيمة ما، ويمنحها هيبة من نوع خاص. لم يكن الصحفي قبل زمن المليشيات، يتمتع بالميزات الكافية التي تصون كرامته أو تكفل حقوقه، كالتي يحصل عليها زملائه الصحفيين في العالم المتقدم، لكن البيئة الصحفية اليمنية كانت تمتلك الحد الأدنى من الحقوق والميزات التي تجعل الصحفي اليمني؛ على الأقل، يتحرك بحرية نسبية، وبنفَس مشروط، وبسقف محدود، لممارسة عمله أو التعبير عن رأيه، أو العمل في إطار الهدف الأساسي للصحافة: ضمان حق المواطن في الوصول للمعلومة.

الاعتراف بالحركة النسبية المعقولة للصحفي قبل زمن المليشيا، لا يعني ذلك تبرئة عهد نظام المخلوع صالح، كما قد يحلو لبعض “أنصار الاستبداد” والمولهين بمرض الحنين لزمن “الزعيم”، فالتدهور الذي حصل حاليا للصحافة اليمنية في زمن المليشيات، ما هو إلا نتيجة منطقية للطريقة التي تعامل بها نظام صالح مع الصحافة، حيث اتخذها كوسيلة لتحسين صورته الديمقراطية أمام العالم، واستخدامه وسائل الترغيب والترهيب للصحفيين، لضمان بقاء حرية الصحافة تحت سقف نظامه القمعي.

ولا يمكن لنا أن نفصل وضع الصحافة في عهد صالح بعيدا عن وضع الديمقراطية والحريات السياسية في اليمن، لقد كانت الحياة السياسية رهينة “مزاج” الحاكم، وكان البلد مجرد “اقطاعات” بيد عائلته وحزبه، ولم تكن الانتخابات والأحزاب سوى ديكور يضمن استمرار رفد المال الأجنبي لخزينة الزعيم، وكانت الصحافة جزء من هذا الديكور، تخرج أحيانا عن المألوف، وتغرد بعض الأحايين عن السرب، لكنها لم تكن تذهب بعيدا عن المزاج السياسي السائد، وهو ما خلق بيئة صحفية تابعة للنظام أو للمعارضة كرست ثقافة صحفية تتسم بالنفعية والشللية.

البيئة الصحفية الفاسدة التي سادت خلال زمن “صالح”، لا تعني عدم وجود صحفيين حقيقين، كرسوا حياتهم لقيم المهنة، ووهبوا وقتهم لصالح قيم العدالة والحرية وحماية حق الناس في الوصول للمعلومة، بل وضحى بعضهم بحياته ووقته وماله لصالح حرية الكلمة والتعبير، وفقد بعضهم مصالحهم ووظيفته من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لقد كانت النتيجة العامة من فساد واستبداد سلطة نظام صالح، هو الفشل في بناء دولة حقيقية تضمن سيادة القانون واحترام الحقوق العامة والخاصة، وهو ما تسبب بذهاب البلد ليد مليشيا طائفية سلالية؛ مليشيا الحوثي، وانتهاء الهامش النسبي للصحافة الذي كان متوفرا في زمن صالح، كان أيضا نتيجة لغياب “سيادة الدولة واستقلالها” في عهده، وقد ورثت المليشيا الحوثية هذا الهامش الصحفي ضمن التركة العسكرية والمؤسساتية التي نهبتها؛ طوعا أو كرها، من صالح وحزبه.

لقد قامت مليشيا الحوثي منذ انقلابها في سبتمبر (2014)، بمصادرة ذلك الـ”هامش الصحفي”، حيث احتلت الفضاء الرسمي للإعلام ومؤسساته وحولته إلى منصات للنطق باسم “السيد” والتعبير عن التوجه السلالي ونشر ثقافة تعتمد على قاعدة “اكذب واكذب حتى يصدقك الناس أو تصدق نفسك”، وبجانب احتلالها للفضاء الرسمي للإعلام، صادرت المليشيا الفضاء العام للصحافة، وأغلقت المؤسسات الحزبية والمستقلة وصادرت محتوياتها، ولاحقت الصحفيين في كل مكان، اختطفت البعض وقتلت آخرين، وتسببت بقطع مصادر رزق من نجا، وحولت من بقي إلى ناطق بلسانها،  وفضل البعض البحث عن مهنة أخرى للعيش، بينما هرب البعض إلى مدن أخرى أو دول خارجية.

حاليا وبعد مرور 6 سنوات، من نكبة اليمنيين، لا تزال الحريات العامة وحرية الصحافة، في وضع كارثي داخل المناطق الخاضعة لسلطة المليشيا، ولا تمتع بالوضع اللائق بها في المناطق التابعة للحكومة الشرعية؛ أو المحسوبة عليها، حيث تخضع عدن وبعض المناطق لسلطة مليشيا الانتقالي التابعة للإمارات، والتي بدورها تنتهج طريقة مماثلة لنهج مليشيا الحوثي، في قمع الحريات العامة والصحفية، في ظل عجز الحكومة الشرعية في تقديم نموذج يليق بها كممثل للدولة، في المناطق التي تقع تحت سلطتها، وليس تحت سلطة الحوثي أو التحالف.

موجة العنف بكافة أشكاله، ضد الصحافة والصحفيين، تستمر وتتوسع في كل مناطق اليمن، وهذه الموجة أضحت نهجا سائدا في صنعاء وعدن، إلا أنها في بقية المناطق أقل حدة، حيث يمكن للصحفيين هناك الخروج؛ على الأقل، للتعبير عن رفضهم للقمع أو المطالبة بحقوقهم، لكن المجمل في قصة الصحافة في اليمن، أن العاملين فيها.. أعمالهم معطلة، رواتبهم متوقفة، وحريتهم لم يعد لها طعم الكرامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى