أمريكا تستثمر جوعنا لتكسب

مأرب الورد
المجال: مقالات التاريخ: ديسمبر 9, 2017

فجأة وخلافا لكل التوقعات أصدر البيت الأبيض بيانين في يومين متتاليين بشأن اليمن أخطر ما فيهما التلويح بعقوبات محتملة على السعودية إذا لم تسهل وصول المساعدات الإنسانية لليمن عبر جميع الموانئ وفي مقدمتها ميناء الحديدة ومطار صنعاء اللذان يسيطر عليهما الحوثيون.

ليست صحوة ضمير إنساني تجاه تسعة عشر مليون يمني بحاجة للمساعدات ولا استشعار لمسؤولية الدولة التي تقود النظام العالمي حيال الحرب التي طحنت هذا البلد منذ ثلاث سنوات، وإنما ابتزاز جديد للرياض التي تقود التحالف العربي ضمن نهج ترمب المعتاد في حلب الأموال لتوفير الوظائف للأمريكيين.

حين كانت المنظمات الأممية والحقوقية تطالب ترمب الضغط على شركائه الخليجيين وتحديدا السعودية التراجع عن قرار إغلاق جميع منافذ اليمن كان يصم أذانه ويوقع على بيعها ذخائر موجهة بقيمة سبعة مليارات دولار كجزء من صفقات ضخمة تصل قيمتها الكلية إلى 460 مليار دولار على مدى سنوات.

في تلك الفترة كانت الأمم المتحدة تذّكر العالم بأن اليمن يواجه أسوأ أزمة إنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتحث الدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن ومنها أمريكا القيام بواجباتها الأخلاقية لمساعدة الشعب اليمني لكنها لم تجد تجاوبا وكل ما فعلته إدارة ترمب هو إصدار بيان متأخر يدعو أطراف النزاع على طريقة المنظمات العاجزة بينما تعاملت وزارة خارجيته بمسؤولية عكست استجابتها للنداءات وطلبت من الرياض تخفيف الإجراءات وهذا ما حدث.

على مدى يومي الخميس والجمعة الماضيين أصدرت المتحدثة باسم البيت الأبيض بيانين دعت فيهما” السعودية للسماح بدخول المساعدات الإنسانية والبضائع التجارية الضرورية بما فيها الوقود، إلى كافة الموانئ اليمنية وكذلك إعادة حركة الطيران التجاري إلى مطار صنعاء”.

هذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها الإدارة بيانين متتاليين حول اليمن لكن هذا لا يعني اهتماما وتحولا في الموقف مما يجري في اليمن لجهة ايجاد حل سياسي ذلك أن أمريكا لا يهمها إلا محاربة تنظيم القاعدة وهي تقوم بالمهمة عبر الطائرات بلا طيار منذ سنوات والجديد هو تكثيف الضربات الجوية، وبالتالي فنظرتها لليمن لا تتجاوز البعد الأمني فقط.

لا يحتاج ترمب للتلويح بفرض عقوبات على السعودية كي تحسّن الوضع الإنساني باليمن وهو من يدعمها أكثر من سلفه أوباما وإذا كان جادا وصادقا وحريصا على اليمنيين فيمكنه أن يطلب من ولي العهد فعل ذلك وسيفعل كما استجاب لتيلرسون بدون عقوبات أو حتى تأجيل صفقات أسلحة لكن موقفه لا علاقة له باليمن بقدر ما هو جوع لمزيد من” جوبز جوبز جوبز”.

صحيح أن هناك أعضاء في الكونغرس يعارضون استمرار دعم التحالف لكنهم أقلية ولم يستطيعوا إيصال مشروع قرار حول هذا الأمر لمرحلة التصويت بعدما تعثر عند مرحلة النقاش غير الملزمة في نتائجها كما أن التلويح بفرض عقوبات تحت مبرر ضغط الكونغرس لا يناقض حقيقة الدعم الكبير للسعودية وكل ما هنالك ابتزاز لمزيد من المال.

وفي الشكل يمكن ربطه بضغوط المشرعين على قلتهم ووسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية ويُراد من هذا الموقف إعطاء انطباع أن إدارة ترمب مهتمة بما يدور حول اليمن وتبذل جهودها للتخفيف من الوضع هناك عبر الضغط على الأطراف الإقليمية المؤثرة وهي هنا السعودية، أي أن الموقف دبلوماسي في الشكل وفي المضمون ابتزاز مالي.

ومن ناحية التوقيت فالاهتمام الأمريكي متأخر مقارنة بما كان يُنتظر خلال الأيام الماضية وهذا ما يعزز فرضية علاقته بقرار ترمب حول القدس والذي خلق ردود فعل دولية وعربية وإسلامية منددة بخطوته غير المسبوقة من الرؤساء الأمريكيين والتي أعطت من لا يملك لمن لا يستحق.

السعودية كانت من ضمن الدول الرافضة لهذا القرار وربما يُراد الضغط عليها كي تعدل عنه أو على الأقل تقوم بدور يدعم مقاربة ترمب المفترضة لعملية السلام أو ما يُعرف بـ” صفقة القرن” بحكم مكانتها الدينية وتأثيرها الرمزي على الدول الإسلامية.

وقد تكون هناك دوافع وأهداف مختلفة وراء الاهتمام الأمريكي أو الابتزاز بتعبير أدق لكن ليس من بينه أو أساسه معاناة اليمنيين جراء الحرب وهي أصلا تجلب لواشنطن مليارات الدولارات من مبيعات الأسلحة والذخائر والمصالح هي ما تحكم علاقات الدول وليس المبادئ.