“أزمة خاشقجي”.. وقدر اليمن السيء!

المجال: أخبار, مقالات التاريخ: أكتوبر 23, 2018

محمد اللطيفي

    فتح الاغتيال المتعمد للصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول، النار من جميع اتجاهات الكرة الأرضية على السعودية، الدولة العظيمة بمقاييس الجغرافيا والمكانة الاقتصادية والوزن السياسي، والفاشلة بمقاييس الحكم والعقل السياسي واحترام حقوق الانسان، وقد سارت في عهد ولي العهد الحالي، محمد بن سلمان، نحو محاولة الطموح الامبراطوري، في زمن الدول الحديثة، مما جعل من السعودية الكبيرة مجرد دويلة في جيب بن سلمان المغامر، وهو الرجل الذي قادته شهواته السلطوية باتجاه مطاردة معارضيه في الخارج، الى الدرجة التي أقدم فيها على رعاية جريمة بشعة داخل بلد كتركيا، مما فتح على جرمه عيون العالم كله.

 لكن نار خاشقجي المحيطة بالسعودية، لن تصيب بضررها المملكة فقط، بل كل دولة كان من سوء حظها العاثر، الارتباط الاضطراري بالرياض؛ كمثل اليمن، التي فرض عليها انقلاب مليشيا الحوثي وصالح، الارتماء في حضن المملكة، وفاقم من الاستمرار بالتبعية لها، ضعف الشرعية، وفساد رموزها، وهو ما جعل من سيادة اليمن رهينة السعودية، ومن اليمن بكلها ملحقا بمزاج الإدارة الملكية السعودية.

 لقد تحول قتل خاشقجي الى أزمة دولية، تجاوزت رياح تأثيراتها رمال السعودية، الى اليمن، فبعد انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة التوافقية بصنعاء، وسقوط المحافظات بيد مليشيا إرهابية، فقدت اليمن سيادتها تماما، وانشطرت جغرافيا بين صنعاء التي تدار لوجستيا من طهران، وبين عدن والمناطق المحررة التي أضحت رهينة تحالف الامارات والرياض.

 لقد تدخلت الرياض في لحظة ضعف الشرعية وعدم امتلاكها الجيش والامكانيات للدفاع عن نفسها ضد انقلاب غاشم، لكن السنوات الماضية أكدت أن الرياض تدخلت لأهداف لا علاقة لها بإنقاذ دولة جارة، بل كفرصة لابتلاع سيادتها والتحكم بثرواتها، وبناء على عقدة سابقة في العقلية السعودية تقوم على فكرة أن اليمن القوى خطر على الأمن القومي السعودية، بالإضافة الى العقدة الحديثة من الربيع العربي، الربيع الذي أضحى “فوبيا سعودية”، جعلتها تصر على اضعاف كل ما له علاقة بالربيع في اليمن، مما جعلها تسعين بخبرات الامارات لإنشاء مليشيات مسلحة في المناطق المحررة، بدل دعم الجيش الوطني المتشكل في اطار الشرعية.

 فوبيا الربيع اليمني، وعقدة “اليمن القوي”، جعلت من الرياض تتجه لتنفيذ سياسات تنتج شرعية ضعيفة وواهنة، لا تمتلك قرارها السياسي والاقتصادي والعسكري، وقد ساهم في نجاح تلك السياسيات المدمرة، قابلية رموز الشرعية للتبعية المطلقة، والارتهان الكامل في أحضان الرياض، بمبررات خاطئة وتقديرات كارثية، وهو ما زاد من حجم التبعية، وأضحت الشرعية بلا إرادة دبلوماسية فاعلية، واليمن بلا سيادة وكرامة، مما جعل من اليمن العظيم ملحقا دبلوماسيا للرياض.

 هذا الأمر جعل من كل خطأ سياسي أو دبلوماسي ترتكبه الإدارة السعودية، له تأثيراته السلبية على اليمن، فاليمن أضحت في العالم تحت الوصاية السعودية، حلولها السياسية والاقتصادية والعسكرية من بوابة الرياض، وقد أدت أزمة خاشقجي الى حصار اعلامي ودبلوماسي على الرياض، وربما مستقبلا الى عقوبات اقتصادية وسياسية عليها، ومن المؤسف أن التأثيرات السلبية ستنسحب على الشرعية، منها تأجيل مسألة انهاء الانقلاب الحوثي، وفرص تحرير بقية المناطق من مليشيا الانقلاب، وحتى فرص الحلول السياسية ستبقى بعيدة المنال.

 من هنا، كان من الواجب أن تمثل هذه الأزمة الحالية للسعودية، فرصة نادرة لاتخاذ إجراءات عملية لإعادة تعريف العلاقة بين الشرعية والادارة السعودية، تفضي الى علاقة ندية بين دولتين (اليمن والسعودية)، وليس بين دولة وسلطة، على الأقل علاقة تعيد للشرعية السلطة الكاملة على المناطق المحررة، والقدرة على التعامل مع العالم من زاوية يمن مستقل، وليس من فكرة انها مجرد ملحق بالرياض.

 لقد ظل بعض مسؤولي الشرعية يشتكون من تدهور العلاقة مع التحالف، وطالبوا أكثر من مرة بضرورة تصحيح هذه العلاقة المبنية على التبعية المذلة، لكنهم لا ينتهزون الفرص التي تأتي إليهم لتصحيح تلك العلاقة، لأن العلاقات الحرة لا توهب بل تؤخذ، ولا تستجدى بل تفرض، وفيما يبدو فإن قدر اليمن السيئ، ليس فقط في كون اليمن جارة لمملكة بلا ضمير، بل أيضا في رموز شرعية بلا أخلاق سياسية، ولا كرامة وطنية، ولا حتى إحساس بعظمة بلد كبييير، اسمه اليمن.