أزمة اليمن يحسمها السلاح

عارف أبوحاتم |

المجال: مقالات التاريخ: ديسمبر 1, 2016

لا يزال الموقف الدولي باهتاً من إجراءات الانقلابين الأحادية التي أعلنوا عنها الثلاثاء الماضي بتشكيل حكومة خاصة بهم بصنعاء، معلنين بذلك وفاة خارطة ولد الشيخ التي طالما اشتكت منها القيادة الشرعية نتيجة انحيازها الكلي لصالح المشروع الانقلابي.

وحكومة الحوثيين وصالح جاءت في وقتٍ توالت فيه زيارات وزير الخارجية الأمريكي المنتهي ولايته “جون كيري” إلى دول الخليج من أجل البحث عن صيغة حل للأزمة اليمنية، وخرج بتلك الرؤية التي حملها المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ، والتي جاءت غالبية بنودها الثلاثة عشر غامضة وتفتح آفاق مجهولة المصير، باستثناء البند الرابع الواضح في آلية تنفيذه والمتعلق بعقاب القيادة الشرعية ومكافئة الانقلابين، إذ ينص البند على خروج الرئيس هادي ونائبه وحكومته من الحكم مقابل دخول الميليشيات، عبر آلية تبدأ بإجبار نائب الرئيس على تقديم استقالته وتطلب من الرئيس هادي تعيين نائب جديد تُنقل إليه كامل صلاحيات الرئيس، وهذا النائب يكلف شخصية وطنية بتشكيل حكومة جديدة يتناصفها الشرعيون والانقلابيون، بمعنى أدق تسليم السلطة للحوثيين بطريقة شرعية منظمة، وإخراج القيادة الشرعية بذات الكيفية!!

وتركت “الخارطة” معضلة السلاح كما هي، فالمجتمع الدولي يدرك أن السلاح المنفلت كان وقوداً لكل مشاكل اليمن ومهدداً لأمن واستقرار الجوار، وكان الحامل الحقيقي لصوت المختلفين والخيار الفوري للمتصارعين، وأي حل خارج حدود السلاح هو تأجيل للحرب، وتوفير استراحة للمتحاربين، وهو ما حرص عليه رعاة خارطة ولد الشيخ، الذين لم يقتلعوا معضلة السلاح وتركوها فرصة مؤجلة لجولة قادمة من الاحتراب الداخلي.

وبحسب خارطة ولد الشيخ سيتم تسليم السلاح من الميليشيات الانقلابية والمقاومة إلى طرف ثالث، وكذلك استلام المدن من الطرفين بما معناه حتى والحوثيين وصالح شركاء في نصف مقاعد الحكومة فلن يتم تسليم السلاح لها، لأن الدولة هي المعادل الذي يجب تغييبه من المشهد السياسي، ولأن منطق بناء الدول لا يجتمع مع منطق بقاء العصابات والميليشيات.

ويكتنف الغموض هوية الطرف الثالث، من هو، من يختاره، كم صلاحيات بقاءه، ما حدود صلاحياته، من الضامن أن هذا الطرف لن ينقلب على الطرفين، أو ينقلب على خارطة ولد الشيخ؟!.

وفي مسألة التعامل مع الجار السعودي تتحدث الخارطة بخفة سياسية لا تنتمي إلى لغة المواثيق الدولية الصارمة وتنص على انسحاب قوات صالح والحوثيين من الحدود السعودية 30 كيلومتر، وكأن تواجدها ما بعد هذا الحد سيمثل حضوراً مشروعاً، في ظل وجود دولة لها قوات مسلحة وحرس حدود هو وحده المسئول عن حماية حدود وسيادة بلاده.

ويسيطر التواطئ مع الميليشيات على كامل تفاصيل خارطة ولد الشيخ التي تدعو بنعومة إلى تسليم السلاح الثقيل والمتوسط والانسحاب من صنعاء وتعز والحديدة خلال 30 يوماً فقط، وهذه اللغة الشاعرية لا تكفي لتحقيق سلام يصمد لأسابيع، إذ لا جدوى من انسحاب الميليشيات من العاصمة والبقاء في محيطها (عمران وذمار وصنعاء المحافظة)، وكذا الانسحاب من تعز والحديدة والبقاء في حدودهما.

هذه المهادنة الواضحة في مسألة تسليم السلاح جاءت متعمدة من قبل “خارطة كيري” لتمكين الحوثيين من حسم كل الخيارات بقوة السلاح وتصفية كل رجال الدولة، وإحلال النموذج الإيراني في اليمن من أعلى هرم الدولة إلى أسفل.. هناك تعمد في ترك السلاح يحسم مسألة الأزمة اليمنية.

ولم تتحدث الخارطة مطلقاً عن كيفية استعادة مؤسسات الدولة المسيطر عليها من الميليشيات ولا عن الأموال المنهوبة من خزينة الدولة بما فيها كامل الاحتياطي النقدي المقدر بـ5مليارات دولار.

الانقلابيون في تقديري فعلوا خيراً بإطلاق رصاصة الرحمة على خارطة ولد الشيخ، من خلال الإعلان عن حكومتهم، وبذات القدر أوصلوا رسالة تهديد خطيرة للقيادة الشرعية، فالخوف زاد والقلق استطال من بقاء المعركة العسكرية مفتوحة دون حسم، وبقاء الشرعية خارج أرضها سيفقدها قدراً من مكانتها ولابد من حسم عسكري وبقاء في الداخل قبل أن ينشرخ قرار المجتمع الدولي، ويبدأ التفكير بمسألة إعادة النظر في من يملك الشرعية.

يهمني هنا أن ألفت إلى مسألة التفاف الحوثيين على شريكهم علي عبدالله صالح، واحتكار كامل الإعلام الحكومي في الداخل للتسويق لأنفسهم وتهميش أخبار صالح ووزراءه وحزبه.

وكانوا أذكياء ودهاة في انتقاء الوزارات المطلوبة ذات الأثر والتغيير.. لم يأخذوا وزاراتهم تلك اعتباطاً بل عن وعي كامل وخطة مدروسة.. أخذوا الوزارات التي يمكن من خلالها التغيير والاشتغال للفكرة الامامية.

وزارة النقل لإدخال الأسلحة والمشتقات النفطية والممنوعات للإتجار بها، “التربية والتعليم” لتغيير المناهج وتلويث عقول الأجيال القادمة وقد شاهدنا عدداً كبيراً من أطفال مدارس صعدة وهم يلهجون باسم عبدالملك الحوثي كأنه إله، “العدل” ومن خلالها التحكم بالقضاء وإصدار الأحكام الجائرة بحق الخصوم، “الشئون القانونية” للعبث بالقوانين الناظمة للحياة والالتفاف عليها وإعداد مشاريع قوانين تمكنهم من إحكام السيطرة على بقية مفاصل الدولة.
وبقية الوزارات سيتحكمون بقراراتها وأداءها ترغيباً وترهيباً وعبر حوثة ومتحوثين وعملاء ومندسين.. لقد استرهبوا المؤتمر وقيادته ولم يعد بينهم من يجرؤ على الكلام بحرية أو اتخاذ القرار بشجاعة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *