“أبين”.. والموت السريري لاتفاق الرياض!

محمد اللطيفي

أعادت الأحداث الأخيرة التي وقعت في محافظة أبين، الجدل حول مصير اتفاق الرياض الموقع في (نوفمبر 2019)، وهو الاتفاق الذي ظهر من البداية حاملات نتيجته النهائية المتوقعة له؛ الفشل.

في الخامس والسادس من (أبريل 2021)، اندلعت مواجهات بين قوات أمن محافظة أبين من جهة ومليشيا الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي من جهة أخرى، وهي مواجهات بدأت باعتداء عناصر تابعة للحزام على وحدات أمنية تابعة للحكومة، على الخط الدولي الهام، ما دفع قوات الأمن إلى إقرار السيطرة على هذا الطريق الاستراتيجي، حيث شنت هجوما واسعا على مواقع مهمة تابعة للانتقالي، في مديريات (الوضيع وخنفر وأحور).

جغرافيا، يمتد الخط الساحلي؛ والمعروف بالخط الدولي، من مدينة شقرة الواقعة في مديرية خنفر إلى مدينة اللّحية الكائنة في مديرية أحور، ويشكل هذا الخط رابطا بين مديريات محافظة أبين، ويمكن للمسيطر عليه التحكم بكامل المحافظة، وبالتالي السيطرة على تقاطع طرق أبين المرتبطة جغرافيا بمحافظات (شبوة، عدن، لحج، البيضاء)، فضلا عن الشريط الساحلي الذي يوصل أبين ببحر العرب.

يدرك الطرفان؛ الحكومة والانتقالي، أن السيطرة الكاملة على أبين، تعني بالنسبة للانتقالي الحفاظ على البقاء الآمن بعدن ولحج، ثم استعادة شبوة، وتشكل بالنسبة للقوات الحكومية طريقا آمنا لحماية شبوة واستعادة عدن ومعها لحج، وبعدها تهديد مليشيا الحوثي بالبيضاء، وإمكانية توحيد جهود المحافظات باتجاه محاصرتها في تعز.

ما يبدو أن السعودية والإمارات تدركان هذه الأهمية الاستراتيجية لأبين، ولذا تعمل الدولتان على جعلها ميدان توازان لطرفي اتفاق الرياض، بحيث لا يسمح لأحد السيطرة الكاملة على المحافظة، وفي نفس الوقت تبقى ميدانا لتفريغ الاحتقانات العسكرية، التي تمنع الحكومة من استعادة عدن، والانتقالي من السيطرة على شبوة.

إبقاء أبين في الوضعية التوازن من قبل الرياض وأبوظبي، قد يدل على خلاف بين العاصمتين حول أبين، يمكن ملاحظته من خلال تتبع أحداث المحافظة، منذ بدء الصراع حولها بين الشرعية والانتقالي في (مايو 2020)، حيث ظلت المحافظة ميدان كر وفر بين قوات الحكومة والحزام الأمني، ففي الوقت الذي تحاول فيه الإمارات اسقاط المحافظة من يد الشرعية، تحرص السعودية على منع ذلك، من خلال تدخل لجنتها التي تظهر مع كل مواجهات عنيفة، تنبئ بذهاب المحافظة إلى تبعية الانتقالي التابع للإمارات.

مع ذلك، فإن الأحداث الأخيرة في أبين، والتي اندلعت حول السيطرة على الطريق الساحلي، أفصحت عن موت سريري لاتفاق الرياض، الذي تجاوز عمره السنة والنصف، ولم يحرز أي تقدم في بنوده العسكرية والأمنية، فالحكومة التي عدن إلى عدن نهاية (ديسمبر 2020)، لم تفلح في إنجاح حتى الشق السياسي من الاتفاق السعودي.

لغة المجلس الانتقالي الأخيرة، أكدت أن الاتفاق السعودي لم يعد له سوى وجود شكلي، فقد أقر الانتقالي؛ في بيانه الصادر في (7 أبريل 2021)، على عدم اعترافه بالاتفاق شكلان ومضمونا، حيث؛ ورغم مشاركته في الحكومة، وصف قوات الحكومة بأبين بمليشيات الإخوان، وأعتبر فرض الأمن في المحافظة بمثابة هجمات إرهابية، وتعاونا مع مليشيا الحوثي.

ما يمكن قوله، أن أبين التي تشكل شوكة ميزان عسكري لطرفي اتفاق الرياض، تعد أيضا شهادة وفاة سياسية لاتفاق الرياض، ويمكن ملاحظة أن التصعيد الإعلامي للانتقالي؛ المرافق لتصعيده العسكري بأبين، ودعوته؛ ما يسمى بقوات الجنوب المسلحة، إلى رفع الجاهزية القتالية، أتى في ظل خفوت الحديث عن الاتفاق السعودي، ليس فقط من قبل الأطراف المحلية، بل أيضا من الرعاة الرسميين؛ الرياض وأبوظبي، وهو ما يدل على دخول الاتفاق السعودي الموت السريري، خصوصا مع هجرة أغلب وزراء الحكومة مرة أخرى وبشكل صامت إلى السعودية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى